قال الأمين العام للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ذ. محمد الزويتن، إن المغرب عاش خلال الولاية الحكومية الممتدة من 2021 إلى 2026، واحدة من أعقد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخه الحديث، واصفاً المرحلة بأنها أزمة متعددة الأبعاد والامتدادات، تداخلت فيها مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وأوضح مذكرة الاتحاد التي تلاها الأمين العام ذ. محمد الزويتن، خلال الندوة الصحفية التي نظمها الاتحاد اليوم الثلاثاء 1 شتنبر 2026 بالمقر المركزي للاتحاد، “حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ظل تفاقم الأسعار وانهيار القدرة الشرائية”، أن هذه الأزمة تجلت، في بطالة بنيوية مزمنة، وموجة غلاء غير مسبوقة، استنزفت القوة الشرائية للأسر، إلى جانب تراجع خطير في جودة ومجانية منظومتي الصحة والتعليم.
مذكرة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب
تقديم وتأطير عام: أزمة بنيوية شاملة، تراجع عن الدولة الاجتماعية، ورهانات الاستدراك الوطني
عاش المغرب خلال هذه الولاية الحكومية (2021-2026) واحدة من أعقد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخه الحديث. وهي أزمة متعددة الأبعاد والامتدادات، تتقاطع فيها بطالة بنيوية مزمنة، وموجة غلاء غير مسبوقة استنزفت القوة الشرائية للأسر، وتراجع خطير في جودة ومجانية منظومتي الصحة والتعليم، وتضييق متواصل على الحريات النقابية والحق في الاحتجاج المكفول دستوريا، إلى جانب استفحال لظاهرة الريع والتمركز الاقتصادي وتضارب المصالح في دواليب القرار العمومي.
ولم تكن هذه المظاهر، في تقدير قيادة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، مجرد اختلالات ظرفية عابرة أو إكراهات طارئة تعزى فقط إلى التطورات الدولية أو التقلبات المناخية والجفاف، بل كانت تعبيرا صريحا ومباشرا عن اختيار سياسي واع لحكومة فضلت في كل محطة تغليب المقاربة المحاسباتية الضيقة والخيارات الليبرالية على حساب العدالة الاجتماعية والتضامن الوطني، وهو ما أدى عمليا إلى التخلي الصريح عن مقومات العقد الاجتماعي ومقتضيات الدولة الاجتماعية ومخرجات النموذج التنموي الجديد.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها الرمزية والسياسية والميدانية خلال نهاية شهر يوليوز 2026، حين شهدت مدينة سبتة المحتلة أكبر عملية عبور حدودي جماعي في تاريخها المعاصر، إذ حاول عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة، الذين تشكل فئات الشباب والأحداث غالبيتهم المطلقة، اقتحام المعابر برا وسباحة في ظرف زمني لم يتجاوز 24 ساعة، قبل أن تعيد السلطات الإسبانية الغالبية العظمى منهم إلى التراب الوطني.
ولم يكن هذا الحدث المأساوي مجرد أزمة هجرة عابرة أو تدفق عارض، بل جاء تعبيرا صارخا وشديد القسوة عن أزمة ثقة عميقة تعيشها فئات واسعة من الشباب المغربي تجاه مستقبلها وإمكانية ارتقائها الاجتماعي داخل الوطن. كما يعد هذا الحدث امتدادا مباشرا وميدانيا لموجة الاحتقان الاجتماعي الواسعة التي عبرت عن نفسها سنة 2025 من خلال الاحتجاجات العارمة للجيل الجديد الحامل لشعار “جيل Z”، والتي اندلعت للمطالبة بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم وضمان كرامة العيش والوظيفة اللائقة، والتي للأسف جوبهت غالبا بالإصرار على المقاربة الأمنية والتعاطي العقابي عوض الانخراط في حوار سياسي واجتماعي جاد ومسؤول يستوعب جذور الاحتقان ويتجاوز أسبابه.
إننا في الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب نعتبر، ببالغ الأسف والأسى، أن مشهد آلاف الشباب والناشئة وهم يصرحون أمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية بفقدانهم الأمل في الأفق التنموي لوطنهم، ليس سوى مرآة صادقة ومؤلمة لفشل حكومي متعدد الأبعاد: فشل تحول فيه الإحباط الجماعي واليأس الفردي إلى أزمة سياسية واجتماعية ذات امتداد دولي، وإلى تشكيك عميق في مدى جدية تنزيل وأجرأة التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بطموحات الدولة الاجتماعية وتوفير مقومات الإقلاع التنموي الشامل.
إننا، ومن موقع مسؤوليتنا التاريخية والنقابية المنحازة دوما وقبل كل شيء لقضايا الشغيلة المغربية والفئات الهشة والمستضعفة وأجيال الشباب الصاعدة، نسجل ببالغ القلق والاستنكار هذا النهج الحكومي الذي اتخذ من شعار الدولة الاجتماعية واجهة إعلامية وتسويقا سياسيا، بينما ينفذ على أرض الواقع سياسات التخلي الاجتماعي في مجالات التجهيز، الشغل، الصحة، والتعليم، ويترك الباحث عن العمل، والمريض، والتلميذ، والفلاح الصغير، والموظف البسيط، رهائن لسياسات احتكارية وريعية تخدم مصالح ضيقة وفئات محددة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
ومع ذلك، وحرصا من منظمتنا النقابية على الامتناع عن أسلوب التبخيس وتجنب نزعات العدمية، فإننا نؤكد أن تشخيص هذه الاختلالات لا يستهدف الإحباط، بل يروم التنبيه الدقيق إلى مكامن الخلل قصد استدراكها، إيمانا منا بأن المغرب يمتلك المقومات والموارد والكفاءات التي تمكنه من تصحيح المسار متى توفرت الإرادة السياسية الصادقة والحوار الاجتماعي المسؤول.
وضمن هذا الإطار العام والمسؤول، تقدم هذه المذكرة قراءة نقابية موضوعية، شاملة ومؤسسة لحصيلة هذه الولاية الحكومية (2021-2026)، معتمدة هيكلة متكاملة تتوزع على المحاور التالية:
المحور الأول: المحور الحقوقي والحريات النقابية.
المحور الثاني: المحور السوسيو-الاقتصادي والقدرة الشرائية.
المحور الثالث: المحور الاجتماعي (الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، وأزمة الشباب).
المحور الرابع: مقترحات وتوصيات الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب الموجهة للحكومة المقبلة.
- المحور الحقوقي و الحريات النقابية :
أثبتت التجربة الميدانية الممتدة لخمس سنوات أن الأداء الحكومي لم يكتف بالعجز عن الوفاء بالتزاماته تجاه الطبقة العاملة وعموم الشغيلة المغربية، بل اندفع نحو الإجهاز على المكتسبات التاريخية والتضييق على الخيار الديمقراطي الذي ارتضاه المغرب ثابتا دستوريا.
فالقراءة النقدية لمسار هذه الولاية تكشف عن التفاف صريح على روح دستور 2011، حيث تغولت الهيمنة العددية للأغلبية الثلاثية لتتحول إلى أدوات لإقصاء الصوت النقابي المستقل، وتشريع الأبواب أمام تحالف السلطة والمال، وتفشي مظاهر الريع وتضارب المصالح داخل دواليب التسيير العمومي.
ويستعرض هذا المحور بالتفصيل مظاهر هذا الانحراف السياسي والحقوقي الذي أضعف السلم الاجتماعي وأربك مسار التنمية المستدامة.
أولا، التضييق على الحريات النقابية: إجهاض للحوار الاجتماعي، وإقصاء ممنهج
لم تعد ممارسات التضييق على العمل النقابي تقتصر على سلوكيات معزولة داخل بعض المقاولات والإدارات، بل تحولت إلى مقاربة رسمية للحكومة تتجلى أبرز تمظهراتها فيما يلي:
- التضييق على الحريات النقابية والحق في الإضراب:
شكلت هذه الولاية الحكومية إحدى أسوأ الفترات التي شهدت تراجعا حقوقيا وميدانيا في التعاطي مع الفعل النقابي ونضالات الطبقة العاملة. فبدلا من صيانة الحرية النقابية كحق مكفول بدستور المملكة، ولاسيما الفصل 29 منه، والمواثيق الدولية وفي مقدمتها الإتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية، فضلت الحكومة ممارسة ضغوط غير مسبوقة لتكبيل العمل النقابي وشله عن القيام بأدواره التأطيرية والدفاعية.
وقد تجسد هذا التضييق عبر مسارين خطيرين:
- المسار التشريعي التكبيلِي: من خلال فرض القانون التنظيمي المتعلق بممارسة الحق في الإضراب برؤية أحادية وجره نحو منطق المنع والتحريم بدلا من التنزيل والتنظيم. لقد أثقل القانون المذكور ممارسة هذا الحق الدستوري بسلسلة من التعقيدات المسطرية، وآليات التوفيق والوساطة القسرية والمعقدة، والمدد الزمنية التعجيزية، فضلا عن توسيع دائرة القطاعات الحيوية والموظفين الممنوعين من الإضراب، وإقرار عقوبات زجرية وغرامات مالية سالبة للحرية في حق المضربين والمكاتب النقابية. ولقد اعتبر الاتحاد من خلال مواقفه الرسمية أن الهدف المضمر لهذا القانون هو تجريد الطبقة لعاملة من سلاحها السلمي والدستوري الأخير للتعبير عن الرفض وللدفاع عن مطالبها العادلة أمام الشطط والتعسف.
المسار الميداني: استمرت مظاهر الاستهداف المباشر للمناضلين والمندوبين النقابيين داخل العديد من الوحدات الإنتاجية والمؤسسات والمقاولات والشبه عمومية والإدارات. وتجلت هذه الممارسات في شل حركة المكاتب النقابية، والتنكيل بالمندوبين عبر العزل الشططي، النقل التعسفي، الاقتطاع غير القانوني من أجور المضربين خارج إطار مبدأ الأجر مقابل العمل بأسلوب انتقامي، وحرمان المكاتب النقابية من تسهيلات عملها الميداني، والتضييق على التجمعات السلمية.
- فشل الحوار الاجتماعي كآلية للتعاقد: تحول الحوار الاجتماعي في عهد هذه الحكومة من آلية استراتيجية للتعاقد الاجتماعي إلى مجرد شأن بروتوكولي للتسويق الإعلامي. لقد أخفقت الحكومة في تجسيد الميثاق الوطني للحوار الاجتماعي على أرض الواقع، وغيبت الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذ الالتزامات والتوافقات السابقة، مع عدم القدرة على الاستجابة للمطالب العادلة للمأجورين وعلى رأسها تحسين الدخل بما يتناسب مع مؤشرات التضخم المرتفعة.
- الإقصاء السياسي للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب: مارست الحكومة إقصاء ممنهجا للاتحاد لاعتبارات ومحاسبات سياسوية ضيقة تتنافى مع مبادئ التعددية النقابية واستقلالية الفاعل الاجتماعي. حيث جرى استبعاد المركزية من جولات الحوار الاجتماعي وتغييب صوت الشغيلة التي يمثلها. كما امتد مسار الحصار والاحتكار إلى حرمان الاتحاد من التمثيلية داخل مؤسسات دستورية وحكامتية وهياكل للتحكيم الاجتماعي، وفي مقدمتها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الأعلى للتعليم، علاوة على مجالس إدارة الصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية ذات الصلة بالشغيلة،مما صادر حق شريحة واسعة من أجراء المغرب في إيصال صوتها.
ثانيا، استفحال تضارب المصالح وتكريس اقتصاد الريع في دواليب القرار
شهدت هذه الولاية الحكومية تصاعدا غير مسبوق في الشبهات المتعلقة بتضارب المصالح وزواج المال بالسلطة، مما أضر بمبدأ المنافسة الشريفة وأجهز على التوازنات الاقتصادية للبلاد:
- تضارب المصالح في قطاعات استراتيجية: امتدت هذه الشبهات إلى ملفات حيوية مثل تحلية مياه البحر، وتوزيع المحروقات، واستيراد الأدوية. وقد كشفت المعطيات والنقاشات البرلمانية أن التعديلات الجمركية والتسهيلات الإجرائية المبسطة لبعض السلع دخلت حيز التنفيذ تزامنا مع تأسيس شركات خاصة لاستيرادها تابعة لأطراف مقربة من مركز القرار الحكومي، مما يعكس استغلال المعلومة المسبقة لتكديس الثروات على حساب صحة وقوت المواطنين.
- عقد ونصف من الهيمنة الفلاحية وأزمة الدعم: واجه القطاع الفلاحي جدلا محتدما حول توجيه الدعم العمومي. إذ اتهمت القيادة الحزبية المشرفة على القطاع بتحويل الميزانيات المخصصة لدعم الفلاح الصغير والمنتجين المباشرين نحو كبار الوسطاء والمضاربين (ما عرف إعلاميا بهيمنة الفراقشية). ولم يكتف هؤلاء الفاعلون بالهيمنة الاقتصادية، بل هناك شبهات بأنهم لعبوا دورا محتسبا في هندسة الخريطة الانتخابية.
ما أن احتكار نفس اللون السياسي للإشراف على وزارة الفلاحة لأكثر من 15 سنة متواصلة تزامن مع تسجيل أخطر موجة ارتفاع في أسعار المواد الغذائية واللحوم في تاريخ البلاد الحديث، مما يثبت فشل هذه الخيارات في تحقيق الأمن الغذائي المستدام وضمان سيادة غذائية للوطن.
ثالثا، غياب المحاسبة، إضعاف الأدوار الرقابية للبرلمان، وتعطيل التشريعات الزاجرة
أمعنت الحكومة في إغلاق أغلب منافذ المساءلة، مكرسة وضعا يعلو فيه نفوذ أصحاب المصالح على القانون والرقابة الدستورية، ويتجلى ذلك على الخصوص في:
- تعطيل تجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع: بالرغم من الوعود الانتخابية، أحجمت الحكومة عن تقديم مشروع قانون يجرم تضارب المصالح، كما سحبت في بداية ولايتها مشروع مجموعة القانون الجنائي الذي كان يتضمن مادة تجرم الإثراء غير المشروع. وقد كشق هذا الموقف عن غياب الإرادة السياسية في إلزام كبار المسؤولين بالتصريح الشفاف بممتلكاتهم ومصالحهم الاقتصادية، مما رسخ مظاهر الرأسمالية الريعية في أبشع صورها.
- التهميش الممنهج لآليات الرقابة البرلمانية: مارست الأغلبية الحكومية تسويفا واضحا في التعاطي مع الأسئلة الكتابية والشفهية لممثلي الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بمجلس المستشارين، وتجاهلت أغلبيتها الوزارية الرد عليها في خرق للمهل الدستورية المحددة.
- تحويل البرلمان إلى واجهة شكلية: أدى استعمال العددية السياسية وتهميش آليات الاستطلاع والرقابة إلى إضعاف القدرة التمثيلية للمؤسسة التشريعية، وتجريدها من دورها كرقيب حقيقي على السياسات العمومية، مما ساهم في تقويض الثقة بين الشارع والمؤسسات الدستورية.
إن حصيلة المحور الحقوقي والسياسي للولاية الحكومية (2021-2026) تنبه إلى انحراف خطير عن المكتسبات التي حققها المغرب في مجالات الحريات العامة، والحوار الاجتماعي، والحكامة الجيدة. ويعتبر الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب استمرار التضييق على العمل النقابي بالتوازي مع التسامح مع تضارب المصالح وتفشي الريع، يتجاوز مفهوم الأخطاء التدبيرية العابرة، وأصبح يمس بالاستقرار الاجتماعي ويهدد السلم والتضامن الوطني.
إن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، وإذ يضع هذه الحقائق أمام الرأي العام والمسؤولين، فإنه يؤكد على ضرورة مراجعة هذه الخيارات، والقطع مع سياسة الإقصاء، والعودة إلى حوار اجتماعي مؤسساتي جاد يضمن حقوق جميع الأجراء ويرسخ دولة القانون والمؤسسا
- المحور السوسيو-اقتصادي: بطالة بنيوية، غلاء خانق، وسياسات قطاعية مختلة
تشكل المشهد الاقتصادي للولاية الحكومية الحالية (2021-2026) من سلسلة من الإخفاقات الهيكلية التي دفعت ثمنها باهظا الطبقة العاملة وعموم الأجراء والمأجورين في مختلف القطاعات. فبالرغم من البرامج الحكومية المستهلكة للميزانيات العمومية، أبان النموذج الاقتصادي المعتمد عن هشاشة بنيوية وضعف صارخ في إحداث فرص الشغل اللائق، مقابل تعميق الفوارق الطبقية والمجالية.
لقد أتت الخيارات الاقتصادية للحكومة على الأخضر واليابس فيما يتعلق بالقوة الشرائية للمواطنين، حيث امتص التضخم التراكمي وتصاعد الأسعار كل مكتسبات الطبقة العاملة، فيما واصلت السياسات الفلاحية والتصديرية تغليب مصالح كبار المستثمرين والمحتكرين على حساب السيادة الغذائية الوطنية والأمن المائي والغذائي للشعب المغربي.
ويحلل هذا المحور بالأرقام والمعطيات أبعاد هذه الأزمة الاقتصادية وتداعياتها المباشرة على واقع الشغيلة المغربية.
أولا، سوق الشغل: تفاقم البطالة البنيوية، انفجار التشغيل غير المهيكل، وتنامي البطالة المقنعة
يكشف التشخيص الميداني والإحصائي لسوق الشغل خلال هذه الولاية الحكومية عن عجز مأساوي في ملاءمة السياسات العمومية مع حاجيات الاقتصاد الوطني والانتظارات المشروعة للشباب والشغيلة، يمكن إبراز خطوطه العريضة فيما يلي:
1– المؤشرات الرقمية الكارثية لسوق الشغل:
أكدت المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط خلال منتصف سنة 2026 خيبة الأمل العريضة تجاه الأداء الحكومي، إذ لم يتجاوز معدل المشاركة في القوى العاملة 41.8 بالمائة على المستوى الوطني، مع تسجيل إقصاء كبير للمرأة من الدورة الاقتصادية بحلول معدل مشاركة النساء عند مستويات متدنية لا تتعدى 17.5 بالمائة، مقابل 66.4 بالمائة للرجال.
أما بطالة الشباب، فسجلت منحنى تصاعديا خطيرا وغير مسبوق على امتداد السنوات الأربع الأخيرة: (سنة 2022: 32.7 بالمائة، سنة 2023: 35.8 بالمائة، سنة 2024: 36.7 بالمائة، سنة 2025: 37.2 بالمائة)
ويؤكد هذا المنحنى أن أكثر من ثلث الشباب المغربي الراغب في العمل يترك خارج الدورة الإنتاجية، لتصل النسبة المركبة للشاملة للسياسة الشغلية غير الكاملة لدى الشباب إلى 45.3 بالمائة. وتزداد القنبلة الموقوتة خطورة مع وجود زهاء 3 ملايين شاب وشابة (في الفئة العمرية 15-29 سنة) خارج المنظومة الثلاثية: بلا تعليم، بلا تشغيل، وبلا تكوين.
2– اختلال هيكل الاقتصاد وضعف النسيج الصناعي:
كشفت مؤشرات التشغيل الهيكلية عن عجز واضح في البنية الاقتصادية الوطنية، حيث يتضح تمركز الشغيلة المغربية في قطاعات خدمية وهامشية ذات قيمة مضافة محدودة وشروط شغل هشة، في مقابل انحسار متواصل للقطاع الصناعي المراهن عليه لتحقيق الإقلاع الاقتصادي. ويمكن تحليل ذلك فيما يلي:
– تركز الخدمات وضآلة حصة القطاع الصناعي:يستقطب قطاع الخدمات وحده قرابة نصف المشتغلين بمقابل (49.1 بالمائة)، وهي نسبة مرتفعة يعود أغلبها إلى أنشطة خدمية ذات إنتاجية ضعيفة وشغل غير مهيكل يفتقر إلى الضمانات الاجتماعية والأجور العادلة. وفي مقابل ذلك، يتجلى حجم الخلل في كون نصيب قطاع الصناعة (بما فيها الصناعة التقليدية) لا يتجاوز 13.6 بالمائة فقط من إجمالي المشتغلين. وهي نسبة هزيلة ومقلقة لا تليق بتطلعات دولة تطمح لدخول نادي الدول الصاعدة، وتكشف عن عدم القدرة على بناء نسيج صناعي وطني صلبي، مستقل، وقادر على إحداث قيمة مضافة حقيقية واستيعاب موجات الخريجين واليد العاملة في مناصب شغل قارة ومستدامة.
– تراجع الميزة التنافسية وأزمة صناعة أسلاك السيارات (الكابلاج):تتجلى خطورة هذا الوضع بالوقوف عند طبيعة الاستثمارات الصناعية التي ظلت الحكومة تراهن عليها لسنوات، وفي مقدمتها قطاع صناعة الكابلاج الموجه لصناعة السيارات، حيث لم تعد معامل وحدات الكابلاج مستقطبة لليد العاملة كما كانت في السابق، نتيجة:
-التحول نحو الأتمتة إلى خطوط الإنتاج، مما أدى إلى خفض القدرة الاستيعابية لهذه الوحدات لطلبات الشغل بشكل حاد.
-هشاشة نموذج التركيب والتجميع لغرض التصدير، نظرا لاعتماده المفرط على تقلبات الأسواق الخارجية وأوامر الشركات الأم عبر القارات، دون تحقيق نقل حقيقي للتكنولوجيا أو إحداث نسيج من المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة المغذية للقطاع. وهو ما جعل الشغيلة ضحية مباشرة لأي انكماش أو أزمة في الأسواق الأوربية أو العالمية.
-ارتفاع تكاليف الإنتاج وتبدل خريطة التنافسية حيث أن العديد من الوحدات الإنتاجية في هذا القطاع أصبحت تبحث عن وجهات تفاضلية أخرى توفر يدا عاملة بكلفة أقل أو تسهيلات أكثر، مما جعل مناصب الشغل في هذا القطاع مهددة بالترحيل أو تخفيض الأجور وزيادة ساعات العمل وتأرجح الاستقرار الوظيفي للعاملين فيه.
–استغلال الشغيلة والغياب الحقوقي داخل وحدات التجميع:
حتى في فترات ذروة استقطاب معامل الكابلاج والصناعات المشابهة، ظل هذا القطاع قائما على نموذج استغلالي لليد العاملة -وخاصة الفئات الشابة والنساء- عبر فرض ساعات عمل شاقة ومطولة، وأجور دنيوية تدور حول الحد الأدنى للأجرأو حتى دون ذلك، مع غياب شبه تام لآفاق الترقي المهني واستغلال مرونة العقود المؤقتة (عقود وساطة التشغيل) لتفادي الأقدمية وحرمان العمال من المكتسبات النقابية. وباتت الشغيلة بهذه الوحدات تعاني من أمراض مهنية مزمنة وضغوط نفسية جسيمة دون حماية صحية أو تغطية علاجية كافية.
–غياب رؤية للتصنيع الوطني الهيكلي وآثاره الاجتماعية:
إن عجز الحكومة عن التحول من صناعات التجميع والتركيب ذات القيمة المضافة المنخفضة والارتهان لخارج إلى تصنيع وطني حقيقي يستند على استثمار القطاعات الاستراتيجية (كالصناعات الغذائية التحويلية، الطاقات المتجددة، التعدين، والصناعات الدوائية والكيماوية) أدى إلى حرمان المغرب من تصنيع وطني قوي ومهيكل.
ويتجلى الأثر المباشر لهذا الاختلال في إنهاك الشغيلة المغربية وإحباط الكفاءات، إذ تحول خريجو المعاهد المهنية والكليات العلمية والهندسية إما إلى صفوف البطالة أو الهجرة خارج الوطن، أو القبول بوظائف لا تناسب تخصصاتهم وبأجور متدنية داخل القطاع الخدمي غير المهيكل، مما يكرس إهدار الطاقات البشرية الوطنية ويضعف تنافسية الاقتصاد المغربي أمام التحديات الإقليمية والدولية.
3– تحليل عميق للقطاع غير المهيكل، البطالة المقنعة، والشغل الناقص:
أمام انسداد آفاق التشغيل الرسمي والمهيكل، أصبحت الشغيلة المغربية ضحية ما يعرف بالقطاع غير المهيكل والبطالة المقنعة، والتي تتجلى تمظهراتها فيما يلي:
– استنزاف الحقوق في القطاع غير المهيكل:حيث تحول القطاع غير الرسمي إلى الملاذ الإجباري والأوحد لمئات الآلاف من الشباب والأسر المغاربة. بيد أن هذا القطاع يمارس أبشع صور الاستغلال؛ إذ يحرم الأجراء والمشتغلين فيه من الحد الأدنى للأجور، وتغيب عنه أدنى شروط السلامة والصحة المهنية، وينعدم فيه الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية. إن نمو هذا القطاع تحت أعين الحكومة هو تملص صريح من التزاماتها الدستورية تجاه الأجراء.
– استفحال البطالة المقنعة والشغل غير الكامل: يعاني مئات الآلاف من العاملين مما يسمى البطالة المقنعة، وهي حالة يعمل فيها العمال في أنشطة ذات إنتاجية منخفضة للغاية، أو بساعات عمل أقل بكثير من طاقتهم، أو في وظائف لا تتناسب إطلاقا مع شهاداتهم وتخصصاتهم العلمية وتمنحهم أجورا رمزية لا تسد رمق العيش.
– فشل البرامج الحكومية الترقيعية: أثبتت برامج من قبيل “أوراش” و”فرصة” أنها مجرد مسكنات ترقيعية وحلول صورية مكلفة للمالية العمومية. فقد اعتمدت على إبرام عقود مؤقتة وقصيرة المدى (6 إلى 8 أشهر)، تحول بعدها مئات الآلاف من الشباب إلى صفوف البطالة مجددا دون اكتساب مهارات حقيقية أو إدماج دائم، مما يحول مفهوم الشغل من حق دستوري إلى عملية رعاية اجتماعية هشة.
4– الأثر المباشر على الطبقة العاملة والشغيلة:
يتجلى التأثير المباشر لهذا الوضع الكارثي في تعميق الهشاشة الاقتصادية والنفسية للمأجورين. فقد أدى تزايد فائض العمالة العاطلة إلى تراجع القدرة التفاوضية للشغيلة داخل مقاولات القطاع الخاص، حيث أصبح العمال عرضة للطرد التعسفي والابتزاز بالقبول بشروط عمل قاسية وأجور زهيدة تحت تهديد وجود البديل الرخيص في سوق الشغل. كما أدى تفشي البطالة وسط أبناء الأجراء إلى تحميل المأجورين أعباء مالية إضافية، حيث أصبحت الأجور الهزيلة لرب الأسرة أو المعيل الوحيد تتوزع على عدة أفراد بالغين وعاطلين، مما أسهم مباشرة في اتساع رقعة الفقر والهشاشة وتراجع الطبقة الوسطى.
ثانيا،القطاع الفلاحي والصيد البحري: نموذج تصديري يستنزف الثروة المائية ويفقر السوق الداخلي
تواصل الحكومة الإصرار على خيارات اقتصادية واستثمارية ذات طابع ريعي في قطاعي الفلاحة والصيد البحري، تخدم فئة قليلة من كبار المصدرين والتجاروالفراقشية، على حساب الأجراء والفرشة المائية والأمن الغذائي القومي. ويمكن تقديم أهم تجلياتها فيما يلي:
- استنزاف الفرشة المائية عبر الزراعات التصديرية:
يعيش المغرب أزمة جفاف وإجهاد مائي غير مسبوق، وبدلا من إقرار حكامة مائية صرامة، واصلت الحكومة دعم وتشجيع الزراعات التصديرية المستهلكة للمياه بكثافة (مثل الأفوكا، البطيخ الأحمر، والمنتجات البكرية). فبينما تصدر ملايين الأطنان من هذه المنتجات لملء الأسواق الأوروبية وتحقيق أرباح خيالية لشركات ومستثمرين نافذين، عانت أقاليم وجماعات مغربية كاملة من العطش وتقنين شديد في الشرب خلال عدة مواسم.
وإن اضطرار الحكومة مؤخرا إلى الإعلان الشكلي عن وقف الدعم لبعض هذه الزراعات تحت ضغط الواقع المتأزم، يمثل إقرارا صريحابالخطأ والتناقض الصارخ بين سياسة توسيع المساحات المسقية واستمرار استنزاف الفرشة المائية الجوفية من جهة، وإعلان حالة الطوارئ المائية من جهة أخرى.
- المصايد البحرية وسوء التوزيع في بلد الساحلين:
في قطاع الصيد البحري، وتضمينا لغياب الحكامة وسيطرة اللوبيات وسوء تنظيم أسواق الجملة، يعجز المواطن والمأجور المغربي عن التزود بالأسماك بأسعار مناسبة. لقد أدت سياسات التصدير المكثف للأسماك والموافقات على الاستغلال الصيد المكثف إلى استنزاف المخزون السمكي الوطني، وانهيار الأصناف البحرية الشعبية، وتعميق اختلالات سلاسل التوزيع، مما يحرم الطبقة العاملة من موارد بلادها الطبيعية.
- الأثر المباشر على الشغيلة وسكان العالم القروي:
أدى هذا النموذج الفلاحي التصديري إلى فقدان مئات الآلاف من فرص الشغل القروية للفلاحين الصغار والعمال الزراعيين، حيث تسببت أزمة المياه وسيطرة كبار الفلاحين والمستثمرين على الأراضي المسقية في اندحار الفلاحة المعيشية التي كانت تستوعب بشكل كبير الساكنة القروية.
ونتيجة لذلك، شهدت المدن المغربية موجات هجرة قروية مكثفة نحو حزام الفقر والضواحي، متسببة في ضغط رهيب على الخدمات العمومية الأساسية (صحة، تعليم، سكن)، وتحويل العمال الفلاحيين من فاعلين منتجين إلى عاطلين يبحثون عن عمل هامشي في هوامش المدن، فضلا عن حرمان الطبقة العاملة بالمدن من الغذاء بأسعار معقولة.
ثالثا، أزمة الغلاء الخانق، و تهاوي القدرة الشرائية، وجمود الأجور
عاشت الشغيلة المغربية خلال هذه الولاية على وقع أسوأ أزمة قدرة شرائية في تاريخ المغرب الحديث، جراء التساهل الحكومي مع موجات الغلاء والزيادات الفاحشة في أسعار المواد الأساسية. وتتجلى أبرز تمظهراتها فيما يلي:
- التضخم التراكمي وانهيار القدرة الشرائية: سحق السلة الغذائية للطبقة العاملة
سجل المستوى العام لأسعار المواد الاستهلاكية ارتفاعا تراكميا قياسيا تجاوز 17 بالمائة بين سنة 2021 واليوم، وهو رقم رسمـي مجرد يخفي خلفه واقعا معيشيا أكثر قساوة وفزعا. فالارتفاعات الحقيقية والتفاحش السعري تركزا بشكل شبه كامل في السلة الغذائية الأساسية، التي تستنزف الجزء الأكبر من الدخل الشهري للعائلات العمالية ولذوي الدخل المحدود والفقراء.
إن تفكيك مكونات القفة المغربية الميدانية يكشف حجم التهجم الصريح على التوازنات المعيشية اليومية للمواطن المغربي:
-اللحوم الحمراء وفقدان الأمن الشعائري والغذائي: حيث ارتفعت أسعار اللحوم الحمراء بنسبة تراكمية تجاوزت 50 بالمائة. إذ قفزت أسعار لحوم البقر من متوسط 70 درهماً للكيلوغرام إلى أزيد من 100 إلى 110 دراهم، فيما سجلت لحوم الغنم قفزة صاروخية وتخطت الأسعار في فترات متكررة حاجز 130 و140 درهما للكيلوغرام. وهو ما أدى إلى تغييب اللحوم الحمراء عن موائد ملايين الأسر العاملة وتحويلها إلى مادة شبه حصرية للفئات الميسورة، كما تسبب في إرهاق كاهل المواطنين ودفع عائلات المأجورين إلى العجز عن التكفل بحدود المعيش الأدنى.
وتجلى عمق الأزمة الاجتماعية والبنيوية في العجز عن حماية القطيع الوطني وارتفاع أسعار الأضاحي إلى مستويات حارقة، مما جعل المغاربة يتلقون قرار عدم إقامة شعيرة ذبح أضحية عيد الأضحى لسنـة 2025 كمتنفس مؤقت رفع الحرج والضائقة المالية عن كاهل ملايين الأسر العمالية والفقيرة.
واستمرارا لهذه المعاناة، أدت الممارسات المضارباتية وتراخي السياسة الحكومية في ضبط الأسواق خلال السنة الحالية إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار المواشي، حرمت أعدادا كبيرة من الشغيلة والمواطنين من القدرة على اقتناء أضحية العيد، مما اختصر المظاهر الفاضحة للتردي الاقتصادي وسلب الأسر المغربية حقها البسيط في إحياء شعائرها الدينية ومناسباتها الاجتماعية في ظروف كرب وانسداد معيشي غير مسبوق.
–الخضروات الأساسية والدعم المفقود: شهدت الخضراوات التي تشكل القوت الرئيسي للمواطن (كالطماطم، البطاطس، والبصل) قفزات موسمية وتكرارية تجاوزت 100 بالمائة. وفي مفارقة تاريخية وصادمة تختصر عمق إخفاق السياسة الفلاحية الحكومية، تحول المغرب من كبار المصدرين إلى بلد يستورد البصل من هولندا وإسبانيا، في الوقت الذي فقد فيه القطاع الفلاحي المحلي أزيد من 965 ألف منصب شغل خلال خمس سنوات فقط!
– الأسماك والثروة المهدورة: ارتفع متوسط أسعار الأسماك بنسب تجاوزت 30 بالمائة، حيث وصلت أسعار الأنواع الشعبية كالسردين -الذي كان يمثل الملجأ البروتيني الأخير للمستضعفين- إلى مستويات قياسية (تجاوز 25 درهما للكيلوغرام في العديد من المناطق). وتتجلى المفارقة المؤلمة في حرمان المواطن المغربي من ثروات سواحل بلاده الممتدة على أزيد من 3500 كيلومتر، بسبب منطق التصدير الجشع وغياب المراقبة في أسواق الجملة.
– استهداف ملجأ الفئات الهشة: أسعار البيض والوجبة الشعبية (البيض بماطيشة):
لم تسلم من هذه الموجة العاتية حتى المواد الغذائية البسيطة التي ظلت عبر التاريخ الحل الأخير والأداة المباشرة لسد رمق الأسر الفقيرة والشغيلة. فقد شهدت أسعار البيض قفزة غير مسبوقة، حيث ارتفع سعر البيضة الواحدة من متوسط 0.80 إلى 0.90 درهم سنة 2021 ليصل إلى مستويات حارقة تراوحت بين 1.40 و1.60 درهم للبيضة الواحدة حاليا (بنسبة ارتفاع تجاوزت 70 إلى 80 بالمائة).
وقد تسبب هذا الغلاء الفاحش في ضرب الاستقرار الغذائي لأحد أركان التغذية الشعبية في الثقافة المغربية، وهو وجبة البيض بماطيشة، والتي طالما شكلت ملاذ العمال والعائلات البسيطة والمستضعفين والطلبة لمواجهة غلاء بقية المواد. فعندما تجتمع القفزة السعرية لمادة البيض مع الارتفاع المتواصل لأسعار الطماطم وزيوت الطهي، أصبحت هذه الوجبة المألوفة مكلفة وثقيلة على الجيب، مما يعني عمليا أن التضخم الغلاب لم يكتف بتجريد الشغيلة من المكونات البروتينية العالية كاللحوم والأسماك، بل حاصرهم حتى في طبقهم الشعبي الأخير والأنسب ماديا.
-الأثر الاجتماعي والنفسي على المأجورين:إن انقضاء الولاية الحكومية في ظل هذه الزيادات الحارقة أسفر عن تآكل حاد ومباشر للقدرة الشرائية لجموع الشغيلة، وتسبب في إعادة رسم الخريطة الاجتماعية عبر تهجير شريحة واسعة من الطبقة الوسطى نحو حافة الفقر، وإغراق الأسر العمالية في الديون الاستهلاكية اليومية. كما أدت هذه الضغوط المادية المتواصلة إلى حالة من الاحتراق النفسي والقلق المستمر لدى أرباب الأسر، لعدم قدرتهم على تأمين القفة الأساسية وتغطية مصاريف التغذية الدنيا لأبنائهم.
- جمود الأجور، تبخر القيمة الفعلية للدرهم، والاقتطاع الخفي من دخل الشغيلة:
في مقابل الغلاء و الإرتفاع غير المسبوق في أسعار المواد الأساسية والخدمات الحيوية، اختارت الحكومة نهج سياسة الأذن الصماء وإبقاء الأجور والتعويضات في حالة جمود شبه تام، مع التسويف والمماطلة في الميزانيات المخصصة للرفع التدريجي للدخل العادل.
إن القيمة التبادلية والشرائية للدرهم المغربي تعرضت لانكشاف حاد بفعل التضخم التراكمي المتسارع، إذ فقد الدرهم أزيد من 16 بالمائة من قدرته التبادلية العامة، فيما تهاوت قيمته بنسبة تتجاوز 35 بالمائة فيما يتعلق بالإنفاق على السلة الغذائية المعيشية.
إن هذا التراجع القسري يعني بلغة الأرقام والممارسة اليومية أن الطبقة العاملة والمأجورين تعرضوا لوضعية اقتطاع خفي وغير مباشر من أجورهم الاسمية لصالح التضخم ودوائر المضاربة وتجار الأزمات.
فبالرغم من أن رقم الأجر المدون في كشوفات الراتب ظل ثابتا، إلا أن قيمته الميدانية في السوق أصبحت تشتري أقل من ثلثي ما كانت تشتري قبل بداية هذه الولاية الحكومية. ولتغطية هذا العجز المعيشي المباشر، وجدت الطبقة العاملة والطبقة الوسطى نفسها أمام خيارات مريرة:
- استنزاف كامل للمدخرات المالية والأصول التي تم تجميعها عبر سنوات من العمل.
- الإغراق الجماعي في القروض الاستهلاكية، لتأمين أبسط المتطلبات اليومية.
- التنازل الاضطراري عن مستويات معيشية أساسية، وتخفيض ميزانيات التغذية، العناية الصحية، والترفيه الأسري، مما ينعكس سلبا على التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة المغربية.
3. محدودية وتشتت مخرجات الحوار الاجتماعي وتآكلها المسبق أمام الغلاء
لم تف مخرجات جولات الحوار الاجتماعي بالحد الأدنى من التطلعات المشروعة للطبقة العاملة، بل أثبتت التجربة الميدانية أنها أقرب للحلول الترقيعية والتسويقية منها لإصلاح هيكلي حقيقي لمنظومة الأجور. فقد تعمدت الحكومة إفراغ الزيادات الأجرية الهزيلة التي تم انتزاعها من محتواها عبر تقسيطها، مما جعل أثرها المالي شبه معدوم ولا يلبي حجم الضائقة المالية الحالية. كما لجأت الحكومة إلى سياسة تقليص الفئات المستفيدة عبر إقصاء قطاعات واسعة من الأجراء والمأجورين بالقطاع الخاص والمتقاعدين من دائرة الاستفادة المباشرة.
وقد حول التأخر والتقسيط الزمني تلك المخرجات إلى مبالغ زهيدة تم امتصاصها كليا وتبخير قدرتها التعديلية قبل أن تصل فعليا إلى جيوب وحسابات المأجورين. فقد تزامنت هذه الزيادات المقسطة بالزمن مع قفزات متتالية ومتزامنة في التكاليف الحيوية الأخرى التي ترهق كاهل الأسرة العمالية، وفي مقدمتها:
– ارتفاع تكاليف السكن و الكراء ومستلزمات الصيانة.
– تسليع الخدمات الاجتماعية الأساسية، وخاصة الارتفاع الفاحش في تكاليف واجبات التعليم الخاص بشتى مستوياته، أمام تراجع جودة العرض العمومي.
– تكاليف العناية الصحية وفواتير المصحات التي تستنزف أجزاء واسعة من الميزانية الأسرية في ظل تعثر التغطية الصحية الشاملة وتزايد المصاريف المباشرة من الجيب (استفحال ظاهرة النوار).
إن هذا الاختلال بين الزيادة الأجرية الهزيلة والمقسطة من جهة، والارتفاع الصاروخي المستمر لكلفة العيش من جهة أخرى، رسخ القناعة لدى الشغيلة المغربية بأن الحوار الاجتماعي في ظل هذه الأغلبية تحول إلى غطاء لتمرير سياسة الواقع المرفوض، ونشأت حالة من الاحتقان الاجتماعي والإنهاك النفسي اليومي للمأجورين، الذين باتوا يعجزون عن تغطية المصاريف الأساسية لتمدرس أبنائهم أو علاجهم، مما ساهم في تعميق الشعور بالإحباط واللاعدالة الاجتماعية.
وفي ختام هذا المحور، لا بد من التأكيد على أن التحليل المستفيض للمحور السوسيو-اقتصادي خلال الولاية الحالية (2021-2026) يظهر أن الحكومة للأسف اعتمدت خيارات انحازت بشكل فاضح لشركات الريع والمجالس الاحتكارية وكبار المصدرين، على حساب حقوق وقوت الشغيلة المغربية.
إن تفاقم معدلات البطالة البنيوية، وتمدد الشغل الهش وغير المهيكل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل التضخم، إلى جانب التضحية بالأمن المائي والغذائي، تشكل مجتمعة مؤشرات دالة على فشل ذريع يهدد السلم الاجتماعي والتوازن الاقتصادي للمملكة.
إن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب يجدد تأكيده على أن أي إصلاح اقتصادي لا يضع الإنسان والشغيلة في صلب أولوياته، ولا يضمن توزيعا عادلا للثروة، ولا يقترن بحماية القدرة الشرائية وإيجاد فرص شغل لائق ومستدام، يبقى نموذجا عاجزا ومرفوضا. وتستوجب المرحلة الحالية مراجعة جذرية للخيارات التنموية، وتفعيل الحكامة والشفافية، واستعادة الدور الاجتماعي والدعم الفعلي لكافة فئات الطبقة العاملة وعموم المواطنين.
المحور الاجتماعي: تدهور منظومتي الصحة والتعليم، وتعثر الحماية الاجتماعية وبوادر أزمة ثقة بنيوية
يشكل العجز الاجتماعي العلامة الأبرز في حصيلة الولاية الحكومية (2021-2026)، حيث شهدت الركائز الأساسية للدولة الاجتماعية -وفق التوجيهات الملكية والانتظارات الشعبية- تراجعا خطيرا وتفككا في أدوارها الحيوية. فبدل توجيه السياسات العمومية لإنصاف المواطنين وصيانة الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، اتسم الأداء الحكومي بالمقاربات المحاسباتية وتفريغ الأوراش الإصلاحية الكبرى من جوهرها الاجتماعي.
لقد أدت هذه الخيارات إلى إرهاق كاهل الشغيلة المغربية، وتحويل الحقوق الدستورية الأصيلة للمواطنين إلى خدمات مسلعة مكلفة، مما أسفر عن اتساع رقعة الفوارق المجالية والاجتماعية، وتوليد حالة غير مسبوقة من الإحباط واليأس في صفوف الجيل الصاعد.
ويستعرض هذا المحور أبعاد التردي الاجتماعي وآثاره المباشرة على حكامة القطاعات واستقرار السلم الاجتماعي.
أولا، القطاع الصحي: نزيف الأطر الوطنية، تهالك البنيات التحتية، وتسليع العلاج
يعاني القطاع الصحي العمومي من أزمة بنيوية مريرة جعلته غير قادر على الاستجابة للطلب الاجتماعي المتزايد، وضاعفت من معاناة الأجر والمواطن المغربي، وظهر ذلك جليا من خلال المؤشرات والتمظهرات التالية:
- المؤشرات الحادة للخصاص والتمويل: لا تتجاوز حصة قطاع الصحة من الموازنة العامة نسبة 4 بالمائة فقط، وهو رقم يبتعد كثيرا عن التوصيات الدولية وتعهدات الدولة الاجتماعية. ويتجسد الخصاص البشري في كون عدد الأطباء الممارسين بالقطاع العام لا يتجاوز 15,600 طبيب على الصعيد الوطني، أي ما يعادل 0.43 طبيب لكل ألف نسمة، وهي نسبة دون المعايير الدنيا الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية (المحددة في 2.5 كادر صحي لكل 1000 نسمة).
- نزيف العقول والهجرة القسرية للأطر الطبية: يشهد القطاع نزيفا متواصلا وشبه كلي للموارد البشرية والمهارات الطبية، إذ يغادر سنوياً نحو 700 طبيب باتجاه الدول الأوروبية وكندا، بحثا عن ظروف عمل لائقة وتحفيزات عادلة، وهو ما يمثل زهاء 30 بالمائة من خريجي كليات الطب والصيدلة سنوياً. يضاف إلى ذلك موجات استقالة الأطباء والمتخصصين من المستشفيات العمومية والتحاقهم بالقطاع الخاص.
- التفاوت المجالي والتهميش القروي: يتجلى الخلل في التوزيع الجغرافي بشكل صارخ، إذ يتمركز غالبية الأطباء والأخصائيين في المراكز الحضرية والمحاور الاقتصادية الكبرى، مقابل حرمان المناطق النائية والعالم القروي التي لا يتجاوز نصيبها بضع مئات من الأطباء، مما يترك ملايين المواطنين في المغرب العميق دون الحد الأدنى من التغطية الصحية.
تهالك البنية التحتية وتسليع الخدمة الصحية: يترافق هذا الخصاص مع تهالك المعدات والأجهزة الطبية بالمستشفيات العمومية، وتراجع أعمال الصيانة، والانقطاع المتكرر للأدوية الأساسية. وقد أدى هذا التدهور إلى دفع المأجورين والمواطنين قسرا نحو مرافق الطب الخاص والمصحات الاستثمارية، حيث يتحمل الأجراء تكاليف باهظة تسدد مباشرة من الميزانية الأسرية، مما يكرس تسليع العلاج ويحول الصحة من حق إنساني ودستوري إلى سلعة تجارية يخضع استهلاكها للملاءة المالية للمريض.
- احتقان القطاع وتجاهل المطالب النقابية: أدت القرارات الأحادية وتأخر تنفيذ الالتزامات والاتفاقات المبرمة مع نقابات القطاع الصحي إلى إشعال شلال من الإضرابات والاحتجاجات والمقاطعات، مما جمد الخدمات الصحية بالمستشفيات العمومية، وزاد من معاناة المواطنين البسطاء والشغيلة.
ثانيا، المنظومة التعليمية: الهدر المدرسي المتصاعد، ضرب المدرسة العمومية، وتهميش هيئة التدريس
رغم الميزانيات المالية الضخمة المخصصة لقطاع التربية الوطنية، إلا أن المخرجات الميدانية والمؤشرات النوعية أظهرت تراجعا حادا في جودة ومجانية التعليم العمومي، وتتجلى في:
- فشل استراتيجيات الحد من الهدر المدرسي: بالرغم من رفع ميزانية القطاع إلى أزيد من 86 مليار درهم (نحو 12 بالمائة من الميزانية العامة)، ارتفع معدل الهدر المدرسي إلى مستوى قياسي ناهز 6 بالمائة مع نهاية الموسم الدراسي 2025-2026. وهو رقم يتجاوز بأضعاف الهدف المعلم والمسطر في خارطة طريق الإصلاح (1.6 بالمائة)، مما يعني قذف مئات الآلاف من الأطفال والأحداث سنويا خارج مقاعد الدراسة نحو الشارع والهشاشة والقطاع غير المهيكل.
- الاكتظاظ وتراجع البيئة التعليمية: يستمر تفاقم الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية في المدارس والثانويات العمومية، حيث لا يتجاوز المعدل التأطيري 36 معلما لكل ألف تلميذ، مما ينعكس سلبا على التحصيل العلمي ويزيد من إنهاك الأطر التربوية.
- أزمة الثقة والاحتقان مع نساء ورجال التعليم: أدارت الحكومة أزمة النظام الأساسي لرجال ونساء التعليم بمنطق المداراة والتأجيل والمقاربة العقابية. إذ خاضت الشغيلة التعليمية إضرابات وتوقفات طالت أسابيع وأشهرا متتالية دفاعا عن الكرامة والمكتسبات، وبدلا من الحوار الجاد والمباشر، لجأت الحكومة إلى اقتطاعات تعسفية وغير قانونية من أجور المضربين، مما أدخل المنظومة في حالة عطالة وزرع الشك لدى الأسر المغربية بشأن قدرة المدرسة العمومية على ضمان تكافؤ الفرص لأبنائها.
- المس بمبدأ مجانية التعليم وتسليع الخدمات: أدى تراجع أداء المدرسة العمومية إلى اضطرار طبقات واسعة من المأجورين وأبناء الطبقة الوسطى إلى التوجه نحو مؤسسات التعليم الخاص، والتكفل بمصاريف ونفقات استنزافية تصاعدية (واجبات التسجيل، الأقساط الشهرية، والكتب المدرسية)، مما أدى إلى ضرب مبدأ مجانية التعليم، وتحويل مقاعد الدراسة إلى سوق مدرة للأرباح تزيد من حدة التفاوتات الطبقية داخل المجتمع المغربي.
ثالثا، تعثر ورش الحماية الاجتماعية وإصلاح صناديق التقاعد
شكل ورش الحماية الاجتماعية أمل الشعب المغربي للحد من الفقر والهشاشة، إلا أن التطبيق الحكومي اتسم بالتعثر والارتباك الإجرائي، يمكن تلخيصه فيما يلي:
- اختلالات التأمين الإجباري عن المرض: شهد تنزيل هذا الورش تعقيدات مسطرية وإدارية واختلالات شابت سجلا الاستهداف الاجتماعي (السجل الاجتماعي الموحد). وقد أدى تطبيق مؤشرات عشوائية إلى حرمان مئات الآلاف من الأسر المعوزة والفقيرة والشغيلة الهشة من بطاقات التغطية الصحية والتأمين، وإسقاط حقها في العلاج، إلى جانب التأخر المزمن في معالجة ملفات التعويض عن المرض ونسب الاسترجاع الهزيلة.
- الدعم الاجتماعي المباشر وفقدان النجاعة: اتسمت آلية الدعم المباشر بمنح مبالغ زهيدة لا تتلاءم إطلاقا مع حجم الغلاء والتضخم التراكمي، مع حجبها عن فئات واسعة تحت ذرائع تقنية، فضلا عن كون هذا الدعم تم تمويله من خلال رفع الدعم التنازلي عن مواد صندوق المقاصة (كغاز البوتان)، مما أفقد هذا الدعم أثره الاجتماعي وحوله إلى عملية تحويل مالي شكلي دون أثر تنموي حقيقي.
- التهديد الأحادي لمنظومة التقاعد والمكتسبات:رغم اتفاق الجميع على ضرورة التسريع بإصلاخ صناديق التقاعد، إلا أن الحكومة عبرت عن رؤية ضيقة لمعالجة أزمة صناديق التقاعد بمنطق إملاء الشروط والحلول المقايسية التراجعية (رفع سن التقاعد، زيادة نسبة الاشتراكات، وتخفيض قيمة المعاشات). ويشكل مغبة فرض هذا المخطط الأحادي دون توافق ومشاركة نقابية حقيقية مساسا مدينا بالمكتسبات التاريخية المادية والنظامية للطبقة العاملة، وتأجيلا للأزمة الهيكلية دون معالجة أسبابها المالية والاستثمارية الحقيقية.
رابعا، أزمة ثقة الشباب، الانسداد الآفاق، وانفجار ظاهرة الهجرة الجماعية
ختمت هذه الولاية الحكومية مؤشراتها الاجتماعية بإشارات ومظاهر تحذيرية غير مسبوقة، تنبئ بانسداد الأفق وفقدان الأمل لدى الفئات الشبابية والجيل الصاعد، لعل أبرز تجلياتها تحدد في:
- أحداث سبتة المحتلة (يوليوز 2026) والهروب الجماعي: جسدت المحاولات الجماعية الصادمة لليلة أواخر يوليوز 2026، والتي اندفع فيها عشرات الآلاف من الشباب والأحداث نحو اقتحام الحدود والسباحة نحو سبتة المحتلة، أوج أزمة الثقة والاحتقان. فالهروب الجماعي والمخاطرة بالأرواح يعتبر بمثابة تصويت جماعي بالأقدام يعلن الرفض البات للسياسات العمومية القائمة وإعلانا عن فشل البرامج الحكومية الموجهة للشغيلة والشباب.
حراك “جيل Z” (2025) والرد الأمني: تتصل هذه الهجرة الجماعية بالحراك الاحتجاجي غير المسبوق الذي قادته حركة جيلZسنة 2025 عبر أغلب مدن المملكة، للمطالبة بكرامة عيش، وإصلاح مستعجل للصحة والتعليم وتوفير فرص شغل حقيقية. وبدلا من استيعاب المطالب والمقاربة الحوارية السياسية والاجتماعية، اختارت الحكومة إشهار المقاربة الأمنية والتضييق على التعبير السلمي، مما عمق القطيعة بين الجيل الصاعد ومؤسسات التدبير العمومي.
- الكتلة الحرجة للشباب العاطل: يمثل وجود زهاء 3 ملايين شاب وشابة في وضعية خارج التعليم والتشغيل والتكوين (أي ثلث الفئة العمرية للشباب) طاقة معطلة وخزانا متدفقامن الغضب والإحباط الجماعي. إن استمرار عدم الاهتمام بهذه الفئة يهدد بتحويل الأزمة الديمغرافية إلى قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي، ما لم تبادر الحكومة إلى إعادة تقييم شاملة للنموذج الحالي وإعادة الاعتبار للفاعل الاجتماعي والنقابي المستقل.
وفي ختام هذا المحور، لا بد من التأكيد على أن المنظومة الاجتماعية تعرضت لانتكاسة حقيقية مست مقومات الاستقرار، وأخلت بالمرجعيات الدستورية والتوجيهات الاستراتيجية لبناء الدولة الاجتماعية. فتدهور خدمات الصحة والتعليم، والارتباك الإجرائي للحماية الاجتماعية، إلى جانب الانسداد السياسي والحوار الاجتماعي الإقصائي، أنتج مناخا عاما من عدم الثقة والاحتقان العارم.
إن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب يشدد على أن تدارك هذا الانحراف الاجتماعي يستوجب القطع الفوري مع مقاربة التردد والاستعلاء، والرد بحوار اجتماعي حقيقي ومسؤول، وإعادة النظر في جودة المرفق العمومي، وتأمين التغطية الاجتماعية الشاملة والعادلة، وضمان شروط الشغل اللائق والكرامة لجميع أجراء وشباب المغرب.المحور الرابع، مقترحات وتوصيات الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب للحكومة المقبلة:
استحضارا لخطورة المرحلة الاجتماعية الدقيقة ورغبة في تجاوز منطق التوصيف والتأطير السلبي للأزمات، وحرصا على تقديم بديل مسؤول لا يكتفي بالنقد، بل يقترح حلولا عملية وقابلة للتفعيل والتطبيق الميداني، تتقدم الكتابة الوطنية للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بالمبادرات العاجلة الوطنية الشاملة التالية، الموجهة للحكومة المقبلة لإصلاح الاختلالات وإعادة الاعتبار لبناء الدولة الاجتماعية:
أولا، إنعاش سوق الشغل ومحاربة بطالة الشباب وتثمين الرأسمال البشري
تنزيل الرؤية المبادرة الاستعجالية الوطنية الشاملة ولتجاوز الهشاشة وبناء اقتصاد إنتاجي قادر على امتصاص الصدمات، تقترح منظمتنا الخطوات التالية:
- إطلاق خطة وطنية طارئة لتشغيل الشباب: إقرار مخطط عاجل يستهدف بالأولوية فئة الشباب الخارج عن التعليم والتشغيل والتكوين، عبر برامج تكوين مهني مندمجة ومجانية مرتبطة مباشرة بحاجيات سوق الشغل الفعلية، مع إعادة هندسة الدبلومات والشهادات لربطها بالمهن الواعدة في المجالات الرقمية والطاقات المتجددة والصناعات العالية التقنية.
- إعادة توجيه الاستثمار العمومي نحو القطاعات الصناعية المشغلة والمنتجة ذات القيمة المضافة العالية، بدل الاكتفاء بقطاعات الخدمات ذات الإنتاجية الضعيفة والأجور الهامشية، مع ربط الامتيازات الاستثمارية والمحفزات الضريبية بحجم الشغل القار المحدث ومدى الاحترام الدقيق لمدونة الشغل والحريات النقابية.
- إطلاق سياسة جريئة لتشجيع تشغيل النساء: عبر إقرار آلية وطنية إيجابية لمحاربة كل أشكال التمييز في الولوج إلى الشغل وفي الأجور، مع تكريس البيئة اللائقة والتطبيق الصارم لمبدأ الأجر المساوي للعمل المتساوي المقدار والقياس بين الجنسين في الفلاحة والصناعة والتجارة والخدمات.
- إعادة النظر في سياسة الجهوية الاقتصادية: عبر مراجعة ميثاق الاستثمار الجهوي لضمان توزيع عادل لفرص الشغل بين جميع جهات المملكة، مع استهداف خاص للجهات والمناطق الحدودية والقروية والجبلية الأكثر تضررا من البطالة والهشاشة لمنع نزيف الهجرة الداخلية.
ثانيا، استكمال ورش الحماية الاجتماعية بجميع مكوناتها وصيانة القوة الشرائية
حتى لا تظل الحماية الاجتماعية مجرد شعارات تجهضها العثرات التقنية والمحاسباتية، نؤكد على ضرورة تنفيذ حزمة من التدابير المصححة التالية:
- إصلاح شامل وتشاركي لمنظومة التأمين الإجباري عن المرض مع إيقاف الارتباك المسطري ومراجعة مؤشرات ومعايير السجل الاجتماعي الموحد، لضمان تغطية فعلية وجودة خدمات حقيقية، واسترجاع التغطية الصحية المجانية الكاملة للشغيلة الهشة والفئات المعوزة، وتدبير تسريع صرف التعويضات مع مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية لتفادي الاقتطاعات الإضافية من جيوب المرضى.
- فتح ورش إصلاح صناديق التقاعد بشكل عاجل ومنصف: إطلاق إصلاح بنيوي وتشاركي حقيقي مع النقابات بعيدا عن الحلول الترقيعية الأحادية الجانب التي تستهدف جيب الموظف والأجير (من خلال رفع سن التقاعد، زيادة نسبة الاشتراكات، وتخفيض قيمة المعاشات)، وذلك عبر اعتماد آليات مبتكرة لتوسيع قاعدة المساهمين، ضخ تمويلات مبتكرة، وإقرار حد أدنى للمعاش يحمي كرامة المتقاعدين وأرامل ذوي الحقوق.
- تسريع تعميم الحماية الاجتماعية لتشمل جميع الفئات: إدماج كافة الفئات الاجتماعية في المنظومة دون استثناء، وبالأخص العاملين في القطاع غير المهيكل، عبر تحفيزات تشجيعية وسلسة تتلاءم مع طبيعة ومداخيل أنشطتهم.
- مراجعة فورية للحد الأدنى للأجر: رفع الحدود الأدنى للأجور والمعاشات بما يواكب التضخم التراكمي الحقيقي وتكلفة العيش اليومية، والإسراع بالمساواة التامة والكاملة بين الحد الأدنى للأجر في القطاع الفلاحي والقطاع الصناعي والتجاري، مع إقرار نظام السلم المتحرك للأجور وتخفيض الضريبة على الدخل (IR) لحماية أجور الطبقة الوسطى والشغيلة.
ثالثا، إصلاح عاجل لمنظومة الصحة وتحصين مجانية الخدمة العمومية
ونظرا لأن حماية الحق في الصحة هي المدخل الرئيس للكرامة الإنسانية والمواطنة الكاملة، يتقدم الاتحاد بالبدائل التالية:
- خطة استعجالية لوقف نزيف هجرة الأطباء والأطر الصحية: وذلك عبر صياغة نظام تحفيزي مادي ومهني استثنائي لتحسين الأجور وظروف العمل والتجهيزات داخل المرافق العمومية، مع إحداث حوافز مادية ومهنية حقيقية ومجزية للعمل والاستقرار في المناطق القروية والنائية.
- الرفع التدريجي والملموس لحصة قطاع الصحة: زيادة الاعتمادات المالية المخصصة لوزارة الصحة ضمن الموازنة العامة لتقترب من المعايير الدولية الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية (ما بين 10 و12%).
- تسريع صيانة وتجهيز المستشفيات العمومية: عبر تأهيل وتجهيز المؤسسات الاستشفائية الإقليمية والجهوية بالسد الفعلي للعديد من الثغرات، وسد الفجوة الحضرية-القروية في توزيع الأطر الطبية والتجهيزات البيو-طبية الحيوية، لوقف تحويل المرضى قسرا ونزيف مصاريفهم نحو القطاع الخاص والتصدي لعقلية تسليع العلاج.
رابعا، إصلاح بنيوي لمنظومة التعليم وتثمين هيئة التدريس
انطلاقا من كون التعليم هو حجر الزاوية في بناء مجتمع المعرفة وضمان تكافؤ الفرص، نؤكد على المقترحات التالية:
- حوار جاد ومسؤول مع جميع الفئات التعليمية المحتجة: إطلاق تفاوض جاد ومسؤول لإيجاد حل بنيوي ومستدام لإدماج كافة الأطر بشكل كامل في الوظيفة العمومية.
- خطة عاجلة لمحاربة الهدر المدرسي للوصول إلى هدف (1.6 بالمائة) المعلن رسميا ضمن خارطة طريق الإصلاح، عبر معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة للانقطاع الدراسي وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي والنقل المدرسي والمطاعم المدرسية.
- تقليص الاكتظاظ داخل الأقسام: عبر التوظيف المستمر والأمني للأطر التربوية، وتحسين وتوسيع البنية التحتية المدرسية، خصوصا في العالم القروي لمنع ظاهرة الأقسام المشتركة وضمان تعليم عمومي ذي جودة ومجاني للجميع.
خامسا، إصلاح السياسة الفلاحية والمائية وقطاع الصيد البحري لتأمين السيادة الغذائية
وبالنظر لإجهاد الموارد المائية وغلاء أسعار المواد الأساسية، تفرض المصلحة الوطنية إقرار المراجعات التالية:
- مراجعة جذرية لاستراتيجية الفلاحة التصديرية: إعادة تنظيم ترتيب أولويات مخططات الفلاحة بما يعطي الأولوية القصوى والأولية للأمن والسيادة الغذائية الوطنية (إنتاج الحبوب، القطاني، الزيوت، والأعلاف) على حساب الزراعات المجهدة والمستنزفة للماء والموجهة حصرا للتصدير الخارجي.
- دعم مباشر وموجه للفلاح الصغير والمتوسط: توجيه التمويل والدعم العمومي والمدخلات الفلاحية (البذور والسماد والأعلاف) كأولية للفلاح الصغير والمتوسط والعالم القروي، بدل تمركز الدعم العمومي الضخم في يد كبار المستثمرين والشركات التصديرية والوسطاء.
- تنظيم صارم وشفاف لأسواق الجملة وسلاسل التوزيع: وضع حد للمضاربات الشرسة في أسواق الجملة وسلاسل توزيع المنتجات الفلاحية والسمكية، وإبعاد شبكات الوسطاء غير الشرفاء لضمان وصول الأسماك والمنتجات الغذائية بأسعار مناسبة ومعقولة للمستهلك المغربي، استثمارا للإمكانيات التي يتيحها توفر المملكة على 3500 كيلومتر من السواحل البحرية.
سادسا، إصدار قانون النقابات وإصلاح قوانين الانتخابات المهنية لتكريس التمثيلية الحقيقية
استحضارا للاختلالات الهيكلية التي شابت المشهد المهني والنقابي الوطني، حيث يسجل بأسفٍ شديد تصدر اللامنتمون لنتائج انتخابات مندوبي الأجراء والموظفين وتجاوزها لنسبة نصف التمثيلية الإجمالية في ضرب صارخ لفلسفة التأطير النقابي، فإن الحكومة المقبلة مطالبة بإقرار ورش تشريعي وإصلاحي شجاع وفق الآتي:
- الإسراع بإصدار قانون تنظيمي جديد ومستقل للنقابات المهنية: يضمن تكريس الشفافية المالية والحكامة الديمقراطية داخل التنظيمات النقابية، ويحدد شروط وإجراءات تأسيسها وتسييرها ودعمها العمومي، بما يعزز من أدوارها الدستورية في تأطير الشغيلة والمشاركة في بناء السياسات العمومية.
- المراجعة الجذرية للقوانين الانتخابية الخاصة بانتخابات المأجورين ومندوبي الأجراء: إعادة النظر في منظومة الاقتراع واللوائح الانتخابية لمعالجة الظاهرة الغريبة والمتمثلة في سيطرة اللامنتمين على أكثر من 50% من التمثيلية العمالية، وهو وضع يفرغ المؤسسات التمثيلية من روحها ويحرم الشغيلة من تأطير نقابي ينظم الدفاع عن الحقوق والتفاوض الجماعي المسؤول.
- تحديث شروط ومعايير إفراز النقابات الأكثر تمثيلا: اعتماد معايير عادلة، واضحة وموضوعية تضمن فرز تمثيلية نقابية حقيقية ومعبرة تعكس ثقل التنظيمات النقابية الجادة والميدانية، مع منع محاولات تمييع العمل النقابي أو الالتفاف على التعددية النقابية المسؤولة عبر لوائح هجينة ومستقلة تستغل لإضعاف قوة المفاوض العمالي أمام المشغلين والحكومة.
وختاما، فإن صيانة السلم الاجتماعي والنهوض بالأوضاع المهنية والمادية للشغيلة يستوجب التراجع عن كل المقتضيات والمواد التعجيزية والمكبلة الواردة في مشروع القانون التنظيمي للحق في الإضراب، وضمان الممارسة الحرة والكاملة للعمل النقابي والحق في الاحتجاج المكفول دستورياً ودوليا. كما يلزم إعادة توجيه وتأسيس الحوار الاجتماعي على قواعد متينة عبر جولات منتظمة ومحترمة لتواريخها، يقوم على التفاوض الجماعي الفعلي والمسؤول، ويشرك النقابات في كافة الملفات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى (كقوانين التقاعد والعمل ومدونة الشغل) قبل اتخاذ القرار وتبنيه رسميا وليس بعد إقراره وفرضه كأمر واقع.
سابعا، محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح وتخليق الحياة العامة
ولأن الإصلاح التنموي والاجتماعي يستحيل نيله في بيئة تخترقها الممارسات غير المشروعة، نقترح التدابير التالية:
- التسريع الفوري بالمصادقة على قانون يجرم تضارب المصالح ويلزم كل المسؤولين الحكوميين والمنتخبين بالتصريح الإجباري والشفاف بممتلكاتهم ومصالحهم الاقتصادية، مع إعادة إدراج وتفعيل مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع.
- إحداث آلية مستقلة لمراقبة الصفقات العمومية: وذلك عبر تأسيس هيئة مستقلة لمراقبة وتتبع الصفقات العمومية في القطاعات الحساسة والحيوية (الصحة، الماء، الطاقة، الفلاحة، والتدبير التفويضي) لمنع تضارب المصالح والتصدي لاستغلال المعلومة المسبقة والاحتكار.
- التفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة: إلزام جميع أعضاء الحكومة بالرد على الأسئلة الكتابية والشفوية البرلمانية داخل الآجال الدستورية والتنظيمية المحددة، تفعيلا لمبدأ المحاسبة، وتكريسا لشفافية المؤسسات واحترام للعمل البرلماني والرقابي.
خاتمة :نحو أفق اجتماعي جديد يبعث الأمل في التغيير والقدرة على تجاوز الأزمة
إن التشخيص الناقد والمستفيض الذي افترضته هذه المذكرة لتقييم الولاية الحكومية (2021-2026)، بكل ما رصده من اختلالات في أدوار الدولة الاجتماعية وتراجعات في المكتسبات الاستثنائية للطبقة العاملة، لا ينطلق مطلقا من موقف نفي الإنجازات أو السقوط في نزعات العدمية والتبخيس، بل ينبع من مسؤولية وطنية ونقابية أصيلة تدرك حجم التحديات التي تجتازها بلادنا، وتستحضر في الوقت ذاته مكامن القوة والفرص الواعدة التي ينطوي عليها النموذج المغربي.
إن المملكة المغربية، بما تمتلكه من رصيد تاريخي متين، ومؤسسات دستورية راسخة، وإرادة ملكية سامية جعلت من الرأسمال البشري صلب الرهانات الاستراتيجية للمملكة، يمتلك كافة المقومات والشرط الذاتية والموضوعية لتدارك هذا التعثر الاجتماعي، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وترسيخ بناء دولة كرامة وعدالة اجتماعية حقيقية.
إن تفاؤلنا المستقبلي هو تفاؤل إرادي ورصين يستند إلى ثلاث مرتكزات أساسية:
1. الوعي المجتمعي المتصاعد وحيوية الجيل الصاعد. فدينامية الشباب المغربي وشغفه بالكرامة والإسهام الحضاري يمثلان طاقة تدفق استثنائية وجب حسن استثمارها عبر قنوات التأطير والإدماج، بدل تركها عرضة لليأس والانسداد.
2. قدرة النسيج الوطني على الابتكار والتكيف: فقد أثبتت المملكة المغربية في كافة المحطات والمراحل الحاسمة قدرة عالية على استيعاب الأزمات البنيوية وتجاوزها، بفضل تلاحم مكوناتها والجرأة في تصحيح المسارات التنموية عندما تتطلب المصلحة العليا للوطن ذلك.
3. وجود حركة نقابية مسؤولية وقوة اقتراحية جادة: وسيظل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بصفته ضمن مكونات هذا النسيج الوطني الحي مؤمنا بأن ممارسة النقد الموضوعي هي المدخل الأساسي للبناء، وأن البدائل والحلول العملية التي يضعها بين يدي الحكومة المقبلة تشكل قاعدة صلبة لتأسيس عقد اجتماعي جديد يضمن استدامة النمو، ويعيد الثقة في المؤسسات الوطنية، ويحقق المصالحة المنشودة بين نجاعة الاقتصاد والعدالة الاجتماعية.
ختاما، يؤمن الاتحاد بأن الرهان على المستقبل يتطلب فقط الامتثال لروح المقتضيات الدستورية، وإعادة الاعتبار للفاعل الاجتماعي والمجتمعي، والانتقال الواعي من المقاربات المحاسباتية الضيقة إلى الأفق التنموي الإنساني والمندمج. وبمثل هذه الإرادة الجماعية، سيظل المغرب قادرا على تجاوز عثرات هذه المرحلة، وصياغة غد أفضل يتسع لجميع أبنائه وبناته في ظل الكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم.













































عذراً التعليقات مغلقة